عبد الرزاق المقرم
54
مقتل الحسين ( ع ) ، المقرم
أمر اللّه الأنبياء والمرسلين والمؤمنين فمشوا إليه قدما موطنين أنفسهم على القتل وكم فيهم سعداء وكم من نبي قتل في سبيل دعوته ولم يبارح قوله دعوته حتى أزهقت نفسه الطاهرة ! وقد تعبد اللّه طائفة من بني إسرائيل بقتل أنفسهم فقال جل شأنه : فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ « 1 » . على أن الاقتصار على ما يقتضيه السياق يخرج الآية عما نحن فيه من ورودها للتحذير عما فيه الهلكة فإنها أعقبت آية الاعتداء في الأشهر الحرم على المسلمين قال اللّه تعالى : الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ( 194 ) وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ( 195 ) . فيكون النهي عن الالقاء في التهلكة خاص بما إذا اعتدى المشركون على المسلمين في الأشهر الحرم ولم تكن للمسلمين قوة على مقتلتهم والالتزام بعموم النهي لكل ما فيه هلكة لا يجعل حرمة ايراد النفس مورد الهلكة من المستقلات العقلية التي لا تقبل التخصيص بل هي من الأحكام المختصة بما إذا لم توجد مصلحة أقوى من مفسدة الاقدام على التلف ومع وجود المصلحة اللازمة لا يتأتى الحكم بالحرمة أصلا كما في الدفاع عن بيضة الإسلام . وقد أثنى سبحانه وتعالى على المؤمنين في اقدامهم على القتل والمجاهدة في سبيل تأييد الدعوة الإلهية فقال تعالى : إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وقال تعالى :
--> ( 1 ) ذكر المفسرون أن عبدة العجل من بني إسرائيل لما ندموا على ما فرطوا في جنب اللّه تعالى أعلمهم موسى عليه السّلام بما أوحي إليه من توقف قبول توبتهم على الاغتسال ولبس الأكفان والقيام صفين ثم يهجم عليهم هارون ومعه من لم يعبد العجل ويضعون السيوف فيهم ولما نظر الرجل إلى ولده وأخيه وأبيه وحميمه لم تطاوعه نفسه على القتل وكلموا موسى عليه السّلام في ذلك وناجى ربه سبحانه في ذلك فعرفه المولى تعالى بأنه سيرسل ظلمة لا يبصر الرجل جليسه وأمر عبدة العجل بالجلوس في فناء بيوتهم محتبين لا يتقون بيد ولا رجل ولا يرفعون طرفا ولا يحلون حبوة وعلامة الرضا عنهم كشف الظلمة وسقوط السيوف فعندما يغفر اللّه لمن قتل ويقبل توبة من بقي ففعل هارون بهم حتى قتل سبعون ألفا .